ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

158

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت بتكرير لا حاجة به إليه ، وهو قوله « 1 » : العارض الهتن ابن العارض الهتن أب * ن العارض الهتن ابن العارض الهتن وليس في هذا البيت من تكرير ؛ فإنه كقولك : الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف بكذا وكذا : أي أنه عريق النسب في هذا الوصف . وقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلك ؛ كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في وصف يوسف الصديق عليه السلام : « الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » . ولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب ، وأخذ يطعن فيه من جهة تكراره ، فوقفته على مواضع الصواب منه ، وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة المعنى سواء بسواء ، لكن لفظه ليس بمرضيّ على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه ؛ فإنّ الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب يزيدها حسنا على حسنها ، أو يذهب ذلك الحسن عنها ، وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى من الصناعة اللفظية ، ولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن يبدل لفظة العارض بلفظة السحاب ، أو ما يجري مجراها ؛ لكان أحسن ، وكذلك لفظة الهتن ، فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه ، ولفظة العارض ، وإن كانت قد وردت في القرآن وهي لفظة حسنة فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم وورودها في هذا البيت الشعري ظاهر ؛ وقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت لأبي الطيب أيضا ، وهو في المقالة اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة فليؤخذ من هناك ، وكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع ، وهم الذين قيل فيهم :

--> ( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أبا عبيد اللّه محمد بن عبد اللّه القاضي الأنطاكي ، وأولها قوله : أفاضل النّاس أغراض لذا الزّمن * يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن